ابن كثير
264
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عليه الحجج والآيات والدلالات ، وعاين ذلك وأبصره فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا ، كما قال تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] الآية . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 57 إلى 59 ] قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً ( 58 ) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى ، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما ، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء ، فقال : هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك ، وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معك ، فإن عندنا سحرا مثل سحرك ، فلا يغرنك ما أنت فيه ، فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً أي يوما نجتمع نحن وأنت فيه ، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين ، فعند ذلك قالَ لهم موسى مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وهو يوم عيدهم ونيروزهم « 1 » وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم ، ليشاهد الناس قدرة اللّه على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية ، ولهذا قال : وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ أي جميعهم ضُحًى أي ضحوة من النهار ، ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح . وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بين واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج ، ولهذا لم يقل ليلا ولكن نهارا ضحى ، قال ابن عباس : وكان يوم الزينة يوم عاشوراء . وقال السدي وقتادة وابن زيد : كان يوم عيدهم . وقال سعيد بن جبير : كان يوم سوقهم ، ولا منافاة . قلت : وفي مثله أهلك اللّه فرعون وجنوده ، كما ثبت في الصحيح ، وقال وهب بن منبه : قال فرعون : يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه . قال موسى لم أومر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك ، فأوحى اللّه إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا ، وقل له أن يجعل هو ، قال فرعون : اجعله إلى أربعين يوما ففعل ، وقال مجاهد وقتادة : مكانا سوى منصفا . وقال السدي : عدلا . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : مكانا سوى مستو بين الناس وما فيه لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 60 إلى 64 ] فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى ( 60 ) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ( 61 ) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى ( 62 ) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ( 64 )
--> ( 1 ) النوروز : من أعياد الفرس ، وقد عرب إلى نيروز .